اعلان

اخر الأخبار

في ظل ازمة الكورونا : الشباب وطرق المشاركة الغير تقليدية


هناك نوعان من المشاركة في الشأن العام، المشاركة التقليدية والمتمثلة في الانخراط  في الأحزاب السياسية أساسا، والمشاركة غير التقليدية والتي لا تتطلب الاانضمام إلى الأحزاب، أو الجمعيات... أي دون تصدر المشهد والمشاركة في وضع القرارات، إنما تكون من خلال الواقع الافتراضي وتحديدا من خلال المدونات ومواقع التواصل الاجتماعي... والمشاركة الغير التقليدية في الشأن العام مرتبطة بالعديد من التغيرات منها النظام السياسي، والأزمات. ففي نظام سياسي استبدادي يقع التضييق على الأحزاب مما يحول دون الانخراط فيها، لذلك يلجأ الشباب إلى العالم الافتراضي للتعبير عن أراءهم، وقد يكون النظام السياسي ديمقراطي تتعدد فيه الأحزاب إلا أن الشباب يفقد الثقة في مختلف المنظمات الحزبية، فيلجأ للواقع الافتراضي. هناك حالة اخرى يلجأ فيها المواطن إلى العالم الافتراضي وهي حالة الأزمة، ولعل الأزمة التي يعيشها العالم بأجمعه خلال هذا الشهر والمتمثلة في جائحة كورونا خير دليل على ذلك. إذ يعيش العالم وضع غير مسبوق في تاريخه المعاصر، ويمثل الحجر الصحي العام أبرز تجلياته، فحسب بعض المواقع الاخبارية يجد أكثر من ثلث متساكني العالم أنفسهم مجبرين على المكوث في منازلهم، نتيجة فيروس أصاب 772 ألف وأودى بحياة أكثر من 37 ألف.  وفي تونس بلغ عدد الاصابات حسب اخر تحيين لوزارة الصحة 312، توفي منهم 8 أشخاص.   وفي ظل هذا الوضع تعمل فئة كبيرة من الشباب، إلى مساندة مجهود الدولة في التصدي لهذه الأزمة والخروج منها بأخف الأضرار، إذ رأينا العديد من المبادرات التي انطلقت عبر الفضاء الافتراضي، وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي. سنسعى من خلال هذا المقال إلى الوقوف على أبرزها.
إن المشاركة في معاضدة مجهود الدولة للتصدي لجائحة وباء "الكورونا" بدأت بتلقائية وبصفات فردية منذ أن تعددت حالات الاصابة في بلادنا، ثم ما لبثت أن تنظمت أكثر ولبثنا نرى مجموعات افتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي هدفها توعية الناس، والحث على الأعمال التطوعية لحماية المجموعة من ذلك الفروس وتفادي انتقال العدوى وتعدد حالات الاصابة.
من بين الأشكال الفردية للمشاركة الافتراضية في التوعية من خطر وباء الكورونا أو Covid-19
- غير الكثير  صورهم الشخصية عبر مواقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" بشكل أصبحت تحمل عبارة "شد دارك"، هكذا اختار بعض التونسيون ترجمة عبارة Stay at home  التي انتشرت في الدول الانجلوسكسونية. في حين اختار البعض الاخر العبارة التي ظهرت في القناة الوطنية "سلامتك وسلامتي مسؤوليتنا الكل". وكثرت المنشورات التي تحمل تلك العبارات مرفوقة ببعض الصور وحتى بعض الأحاديث النبوية مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم "الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني اسرائيل أو على من قبلكم فإذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فرارا" (أخرجه البخاري 3473)، أو قوله "ليس من رجل يقع الطاعون، فيمكث في بيته صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد" (صحيح رواه أحمد 26139)، وهي اجراءات وقائية دعى إليها الرسول كريم منذ أكثر من 14 قرنا. هذه الأشكال من المشاركة في توعية الناس رغم بساطتها، إلا أنها يمكن أن تكون ذات فعالية خاصة أمام تكرارها في مئات الحسابات "الفايسبوكية".
- من بين الأشكال الأخرى التي اتخذها التونسيون للمساهمة في التوعية للتصدي لوباء كورونا تناقل منشورات وصور حول طرق اعداد سوائل للتعقيم، وكيفية استعمالها...
- مثلت الفيديوهات أيضا شكل اخر من أشكال المشاركة في عملية التوعية، إذ عمل مجموعة من الناشطين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة من المختصين في قطاع الصحة من اطارات طبية وشبه طبية، إلى تصوير مقاطع فيديو يتحدثون فيه على خطورة الوباء الجديد وضرورة اتخاذ كافة الاجراءات الوقائية والمتمثلة في عدم المصافحة، التباعد الاجتماعي، ترك الحذاء خارج المنزل، اعداد سوائل للتعقيم، والمواظبة على غسل اليادين بانتظام.
كل تلك الأشكال الفردية رغم بساطتها باستطاعتها توعية الناس بالخطر القادم، وحثهم على الوقاية. ثم إنها تطورت فلم تعد مجرد مشاركات فردية بل انتظمت في مجموعات افتراضية منها المحلية، ومنها الوطنية.
- المجموعات الافتراضية المحلية: من بينها متطوعون ضد الكورونا بحفوز، وهي مجموعة افتراضية عبر موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك"، أنشأها طبيب وناشط في المجتمع المدني، يوم 16 مارس 2020، بعد تسجيل أولى حالات الاصابة بفيروس كورونا بولاية القيروان، بلغ عدد أعضائها 1124 ، في مدينة يبلغ عدد متساكنيها حوالي 45 ألف ساكن، كان الهدف من وراء انشائها كما يظهر من خلال تسميتها، وكذلك من خلال أول مقطع فيديو أنزله صاحب المبادرة في انشاءها، تنظيم اجتماع افتراضي عبر "سكايب" للتشاور حول الأنشطة الميدانية التي يمكن أن تتفق حولها المجموعة وتطبقها لتفادي انتقال العدوى بين سكان المنطقة، ومن بين أولى الأعمال التطوعية التي اتفق عليها أعضاء المجموعة تنظيم صفوف مركز البريد لتفادي الاكتاض وهو الأمر الذي يسهل عملية العدوى... ليس هذا فقط فالمجموعة تتيح المجال لمختلف أعضائها لتقديم مقترحات عملية للمساعدة في إيجاد حلول لتفادي بعض المظاهر التي قد تتسبب في استفحال الوباء، إذ رأينا مثلا من يقترح طريقة لتنظيم السوق المركزي بشكل يحول دون التزاحم، وشاهدنا من ينقل تجارب أو مبادرات بعض المدن الأخرى لتنظيم الصفوف، أو ارسال بريد متجول لصرف أجور متساكني الأرياف... وهي مقترحات قد تتفاعل معها السلطات المحلية، ويتم تطبيقها على أرض الواقع.
- المجموعات الافتراضية الوطنية: لعل أبرزها مجموعة "متطوعون ضد كورونا Bénévoles contre le coronavirus، الموجودة عبر موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك"، يقترب عدد أعضائها من 133 ألف، يتضح من خلال الوصف الذي اختاره القائمون على بعثها: "متطوعون ومتطوعات للتنسيق والمساعدة في مجابهة كورونا" ، الغاية من بعثها، إذ يعمل القائمون على هذه المجموعة وجميع أعضائها على تقديم كل المعلومات والاخبار التي من شأنها توعية المواطنين بخطورة الوباء الجديد. ويقدم بعض الأعضاء جملة من الأفكار التي يمكن أن تحول إلى مبادرات واقعية، مثل تقديم تصميم أو نموذج لإعداد قمصان واقية للإطارات الطبية وشبه الطبية... وهناك مبادرات تجسدت على أرض الواقع نقلها أعضاء هذه المجموعة لتحفيز همم باقي المواطنين لابتكار أشياء جديدة من شأنها المساهمة في معاضدة مجهود الدولة لتجاوز هذه الأزمة، مثل المبادرة التي قامت بها مهندسة تونسية شابة، والمتمثلة في تحويل حاويات مناء حلق الوادي إلى غرف طبية عازلة... هكذا يعمل التونسيون من خلال شبكات التواصل الاجتماعي على التوعية أولا من مخاطر هذا الوباء الجديد، وعلى تحفيز همم المواطنين للمساهمة والمبادرة باقتراحات من شأنها أن تساعد الدولة على مجابهة الأزمة الحالية...
- قبل فرض الحجر الصحي العام على كامل تراب الجمهورية، انطلق ناشطون عبر وسائل التواصل الاجتماعي في نشر عريضة الكترونية  تطالب السلطات التونسية بتطبيق الحجر الصحي العام لمدة 15 يوما. وقد بلغ عدد الممضين على هذه العريضة حوالي 93 ألف.
- مؤسسات التنشيط الثقافي كذلك بدأت تفكر في النشاط والمشاركة خارج الأطر التقليدية، إذ بادرت دار الثقافة باب العسل في إطلاق مشروع "دار الثقافة باب العسل  En ligne، وهو مشروع يقدم عبر الأنترنيت دورات تكوينية، وبراعات يدوية، وأمسيات شعرية وغنائية...  الغاية منه كسر الملل الذي يعيشه الناس في ظل الحجر الصحي العام.
إن المشاركة الغير تقليدية في الشأن العام تمليها عديد المتغيرات، فقبل الحراك الثوري الذي عرفته البلاد أواخر سنة 2010، كانت هناك عديد المضايقات على الأحزاب السياسية، إضافة إلى انسداد أفق هذه الأخيرة، وهو ما دفع الشباب إلى "التحايل على النظام القائم للمشاركة على نحو أكثر إيجابية وجذرية وفاعلية عبر الفضاء الالكتروني" عبر المدونات مثلا، كمدونة نواة التي "أسسها سامي بن غربية سنة 2004 وهي مدونة تهتم بحقوق الانسان. ويقدم الموقع تقارير عن حقوق الإنسان واهتم بالشأن السياسي العام وبملفات مهمة. مثل التعذيب والفساد السياسي والمالي والاداري..." . وعندما فقد الشباب الثقة في المنظمات الحزبية عاد بقوة إلى مواقع الواب وخاصة من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، عبر مجموعات افتراضية يظهر من خلال عناوينها الغاية منها مثل مجموعة "قاطع الغلاء تعيش بالقدا"، أو مجموعة "الشعب يريد إلغاء الحصانة على البرلمانيين"... واليوم أمام الأزمة التي تعيشها البلاد خاصة والعالم بشكل عام، والتي تتمثل في وباء "الكورونا" نرى الشباب يستغل مواقع الواب وخاصة موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" للتوعية حينا، ولتقديم مبادرات من شأنها أن تساهم في مجابهة  الوباء... وقد انطلقت هذه الأشكال من المشاركة  الغير تقليدية بطرق بسيطة وبأشكال فردية، ثم ما لبثت أن انتظمت في شكل مجموعات افتراضية محلية ووطنية.

ليست هناك تعليقات

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.